المفهوم الإسلاميّ للأدب وعناصر تكوينه (2/2) فخر الدين قباوة
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Jan 17, 2021   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

    

 

    وهكذا يكون في مضامين الأدب محبّة القِيم العليا والعمل الكريم. وهذا خُبيب بن عديّ يستقبل صَلب المشركين له بقوله:([1])


ولَسـتُ أُبـالِـي حِينَ أُقتَلُ مُسـلِـمـًـا:

 

عـلَـى أيِّ جَنـبِ كانَ فـي اللهِ مَصرَعِـي

فـلَـسـتُ بمُـبـدٍ لِـلـعَــدُوِّ تَـَخـَشـُّـعًــا

 

ولا جَــزَعًـــا، إنـِّي إلَـى اللهِ مـَرجِــعِــي

 

ٍوهذا عُمير بن الحُمام  يُسرع إلى المعركة، وهو ينشد:


 رَكــضـًـا  إلـَى اللهِ، بِــغـَــيـــرِ زادِ

 

إلَّا الـتـُّـقَـى  وعَــمـَـلِ الـمـَـعـــادِ

 والـصَّــبــرِ  في اللهِ عـلـَى الجِـهــادِ

 

وكـُـلُّ زادٍ عـُــرضــةُ الـنــَّـفــــادِ

                             

غـَيـرُ الـتُّـقـَى، والـبـِـرِّ والـرَّشــادِ


ويدخل في صفوف المشركين يقاتل  حتى نال الشهادة. وهذا  عبد الله بن رَواحةرضي الله عنه يُنشِد في مسيره لردّ غزو الروم،  متمنّيًا الغُفرانَ من الله والشهادة في سبيله أيّةً كانت الوسيلة؛ ليذكره الناس بالدعاء والحمد:


لـكِـنـَّنِـي أسألُ الـرَّحـمـنَ مـَغـفـِـرةً

 

وضَربـةً، ذاتَ فـَرغٍ، تَقـذِفُ الـزَّبَـدا

أو طـَعـنـةً، بـيَدَي حـَرّانَ، مـُجهِزةً

 

بحَـربـةٍ، تـُنـفـِذُ الأحشـاءَ والكـَبـِدا

حـَتـَّى يُـقالَ، إذا مـَرُّوا علَى جَدَثِي:

 

أرشَــدَهُ اللهُ  مِن غـازٍ، وقــَد رَشـَـدا

 

   وكذلك الجهادُ لحماية الوطن الإسلامي والأُمّة الإسلامية. فبشّار بن بُرد يفخر بالاستعداد لذلك ومجابهة العدوان والبطش فور حصولهما:


    وَكُــنّــا إِذا دَبَّ الـعَـدُوُّ لِسُـخــطِــنــا،               وراقَـبَــنــا فِـي ظـاهِــرٍ، لا نُــراقِــبُــهْ

    رَكِـبــنــا لَـهُ جَـهــرًا بِـكُــلِّ مُـثَـقَّــفٍ                  وأبـيَـضَ، تَسـتَسـقِـي الدِّمــاءَ مَضـارِبُهْ

    وجَيـشٍ كَجُـنحِ اللَّيـل، يَـزحَفُ بِالحَصا           وبِالشَّــوكِ والخَـطِّـىِّ حُـمـرًا ثَـعـالِـبُـهْ

   غَـدَونـا لَهُ، والشَّـمـسُ فِي خِـدْر أُمِّـهــا             تُـطـالِعُـنـا، والطَّــلُّ لَـم يَـجـرِ ذائـبُـهْ

   بِـضَـربٍ، يَذُوقُ المَوتَ مَن ذاق طَـعمَهُ          وتُـدرِكُ مَـن نَـجَّى الـفِــرارُ مَـثـالِـبُـهْ

   كـأنَّ مُــثــارَ الـنَّـقــعِ فَــوقَ رُؤُوسِـنـــا                وأسـيـافَـنـا لَـيـلٌ، تَـهــاوَى كَـواكِـبُـهْ

  بَـعَــثـنَــا لَهُـم مَـوتَ الـفُــجــاءة، إنَّــنــا                 بَـنُـو الـمَـوتِ، خَـفّـاقٌ علَيـنـا سَبـائبُـهْ

  فـراحُـوا فَـرِيـقٌ فِي الأسـارَى، ومِـثـلُهُ               قَـتِـيــلٌ، ومِـثــلٌ لاذَ بالبَـحـرٍ هـارِبُــهْ

  إذا الـمَـلِـكُ الجـَــبّــارُ، صَـعَّـــرَ خَــدَّهُ                 مَـشَـيـنــا إلَـيـهِ،  بِالسُّـيُـوفِ نُـعــاتِـبُـهْ


   وهذا سيف الدولة يقف بجيشه حرَسًا للحدود من غزوات الروم وحرب الخونة المعتدين، ويَثبت مع جنود المجاهدين في المعارك القاصمة كما ترى في خطاب المتنبّي له:


    لَـيـسَ إلّاكَ، يـــا عَــلِــيُّ، هُــمـــامٌ     سَـــيـفُـــهُ دُونَ عِــرضِــهِ مَـسـلُـــولُ

    أنــتَ طُــولَ الحَـيــاة لِـلــرُّومِ غــازٍ    فـمَتَـى الـوَعـدُ أن يَـكُــونَ الـقُـفُــولُ؟

    وسِـوَى الرُّومِ خَـلفَ ظَـهـرِكَ رُومٌ     فـعَـلَـى أيِّ جـــانِـبَــيـــكَ تَــمِــيــــلُ؟

    قَـعَـدَ الـنّـاسُ كُـلُّهُـم عَـن مَـسـاعيــ    ــكَ، وقـامَـت بِـهـا الـقَـنـا والـنُّـصُـولُ


وهذه جيوش الروم تزحف نحوه، فيستقبلها بكل حزم ونصر:([2])


   أتَـوكَ، يَـجُــرُّونَ الحَـدِيــدَ، كأنَّـهُـم          سَــرَوا بِـجِــيـــادٍ، مـا لَـهُـنَّ قـوائـمُ

   إذا بَـرَقُـوا لَم تَـعـرِفِ البَـيـضَ مِنـهُمُ        ثِـيـابُـهُـمُ مِـن مِــثــلِـهـا والـعَــمـائـمُ

  خَمِيسٌ بِشَرقِ الأرضِ والغَربِ زَحفُهُ       وفـي أُذُنِ الـجَــوزاءِ مِـنـهُ زَمـــازمُ

  تَـجَـــمَّـــعَ فِــيــهِ كُــلُّ لَــســنٍ وأُمّـــةٍ             فـمــا تُـفـهِــمُ الحُـدّاثَ إلّا الـتَّـراجِــمُ

  تَـقَـطَّـعَ مـا لا يَـقـطَـعُ الـدِّرعَ والـقَـنـا          وفَــرَّ مِـنَ الـفُـرسانِ مَـن لا يُـصـادِمُ

  وَقَـفـتَ، وما في المَـوتِ شَـكٌّ لِـواقِفٍ       كأنَّـكَ فـي جَـفـنِ الرَّدَى، وهْـوَ نــائمُ

  تَـمُـرُّ بِـكَ الأبـطـالُ كَـلـمَـى هَـزِيـمـةً          ووَجـهُـكَ وَضّــاحٌ، وثَـغـرُكَ بــاسِمُ

  ضَمَمتَ جَنـاحَيهِم علَى القَـلـبِ ضَمّةً     تَـمُـوتُ الخَـوافِـي تَحـتَـهـا والقَـوادٍمُ 

  بِضَربٍ أتَى الهاماتِ، والنَّصرُ غائبٌ    وصـاَر إلى الـلَّبّـات، والنَّصـرُ قـادِمُ

  حَقَـرتَ الرُّدَيـنـيّـاتِ حَتَّى طَـرحـتَهــا          وحَتَّـى كأنَّ السَّـيـفَ لِلـرُّمـحِ شــاتِـمُ

  نَــثَــرتَـهُــمُ فَــوقَ الأُحَـيــدِبِ كُــلِّـــهِ             كـما نُـثِـرَت فَـوقَ العَرُوسِ الدَّراهِمُ


    ولمّا فَتحتِ الرومُ زِبَطرةَ أهانوا امرأة من المسلمين، فصاحت: وا مُحَمَّداهْ! وا مُعتَصِماهْ! فلمّا بلغَ المُعتصمَ الخبرُ ركب لِوقتِه إلى بلاد الروم، وصاح: لبَّيكِ! لبَّيكِ! ولكنّ علماء النجوم نصحوه وعابوا عليه ذلك، وزعموا أن هذه الحرب لن تكون بخير إلّا في آخر الصيف بعد نُضج التين والعِنب، فلم يرجع إلى أن فتح أنقِرة وأحرق مدينة عمُّوريّة بما فيها من الجنود، فقال أبو تمّام قصيدته المشهورة ومنها:


     السَّيـفُ أصـدَقُ إنـبــاءً مِـنَ الـكُــتُـبِ             في حَـدِّهِ الحَـدُّ بَـيـنَ الجِـدِّ واللَّعِـبِ

    بِيضُ الصَّفائحِ لا سُودُ الصَّحائفِ في          مُـتُـونِـهِـنَّ جَـلاءُ الشَّــكِّ والـرِّيَــبِ

    والعِـلـمُ في شُـهُــبِ الأرمــاحِ لامِعةً              بَينَ الخَمِيسَينِ لا في السَّبعةِ الشُّهُبِ

    يا يَـومَ وَقـعةِ عَمُّـورِيّةَ، انـصَـرفَـت               مِنـكَ المُـنَـى حُـفَّـلاً مَعسُولةَ الحَلَبِ

   أبقَـيـتَ جَـدَّ بَـنِـي الإسـلام في صُعُـدٍ              والمُشرِكِينَ ودارَ الشِّركِ في صَبَبِ

   لَـبَّـيـتَ صَوتًـا زِبَطـرِيًّا، هَـرَقـتَ لَـهُ                كأسَ الكَرَى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ

   لـقَـد تَـرَكـتَ، أمِيـرَ المُؤمِنـِيـنَ، بِـها                لِلنّـارِ يَـومًا ذَلِيـلَ الصَّخـرِ والخَشَـبِ

  غادَرتَ فِيهـا بَهِيمَ اللَّيل، وهْوَ ضُحًى             يَشُـلُّـهُ وَسْـطَـهــا صُبـحٌ مِـنَ اللَّـهَـبِ

  تِسعُـونَ ألفًا كآسادِ الشَّرَى، نَـضِجَـت              جُلُـودُهُم قَـبـلَ نُضـجِ التِّيـنِ والعِـنَـبِ


وقد بقيتْ شُعلة الجهاد متوقّدة في نفوسنا، نتابعها بما تيسّر من العمل الكريم. ولقد كان المجاهدون من الشام يعودون إلينا بثياب الميدان في منتصف القرن الماضي ليحدّثونا عن جهادهم عصاباتِ اليهودية في فلسطين. وها أنا ذا أخاطبُ امرأة فلسطينية لاجئة، أشجّعها على الصبر والاستعداد للجهاد والعودة إلى الوطن السليب:


أُخــــتــــــــــاهُ.. خَـــــلِّـــــــي عَـــــنــــــكِ أثــــــوابَ الــــــحِـــــــــدادْ

وقِــــفِـــي لِأحــــداثِ الــحَــيـــاةِ بِـعَــــزْمـةِ الـصِّــيــدِ الـعِــنـــــادْ

رُدِّي تَــبـــــارِيــحَ الأسَـــــى، وتَـــــزَوَّدِي لِـلِــــقـــا الـجِــــهـــــــــــادْ

وامــضِـي، فهــذا الفَجــرُ لاحَ، وفَجــرُنــا يُـحــيِـي الجَـمـادْ                                

 أُخـــتــــــاهُ.. أخــفَــــقَــــتِ الــعُــــيُـــــونْ                                 

 والــبَـــغْــــيُ.. يُـغــــــرِيــــــهِ الأنِـــيـــــنْ

هـــــذا السِّــلاحُ، فـعــانِـقِـــيــــهِ، يَـــرُدَّ تَســـكـــــابَ الــــدُّرَرْ

وتَـــنَــظَّــــري لِـلثّــــأر يَــومًـا.. لَـيــــسَ يُـخـــلـِفـُــهُ الـقَـــــدَرْ

 يَــومًــــا، نَـــــرُدُّ الـبَـغـــيَ فِـيـهِ علَـى شَـيــــاطِـيــنِ البــشَــرْ

 بِــدِمـــائــنــا، لا بـالـدُّمُـــوعِ، وبالــدِّمــــا نَـــيــلُ الـــوَطَــــرْ

  أُخـــتــــــاهُ.. أخــفَــــقَـــــتِ الــعُــــيُـــــونْ

 والــــبَـــغْـــيُ.. يُــــغـــــرِيــــــهِ الأنِــــيـــــنْ

أشـــــــبـــــــالَــكِ الأيــــتـــــامَ رَوِّيـــهِـــــم بــألـــــــبـــــــــانِ الــجِـــــهــــــــادْ

بِـالـحِـقــد بِـالـبَــغــــضـاءِ لِـلـبــاغِي اصـبِـغِـي طُـهــرَ الـفُــؤادْ

وارمِـــــي بِـــــهِــــم.. كَــــبِــــدَ الــــعِـــــــدا.. يَـــــومَ الــتَّــــــنـــــــــادْ

واسـتَـبـشِــرِي، أُخـــتــــاهُ، فالـنَّـصـــرُ الـمُـبِــيــنُ لَــنـــا يُقــــــادْ

  واللهُ..  رَبُّ الـــعـــــــالَـــــمِـــــيــــــنْ

 عَــونٌ لَـــنــا..  فِــي كُـــلِّ حِـيـــنْ

    ثم إنّ ما ذكرنا من الأساليب والمعاني قبلُ تَرِدُ نظائره في النص الأدبي مع الإيقاع التعبيري المناسب، وتوظيف الخيال بالتجسيم والتشخيص، وبالأساليب اللغوية والفنّية العالية من الأصوات والأشكال والحركات والألوان. فهذا كُثَيِّرٌ  يصف ما كان بينه وبين عزّةَ من تقاليب الهوى في قوله:


فواللهِ، ما قارَبْتُ إلَّا تَباعَدَتْ

 

بِصَرمٍ، ولا أكثَرَتُ إلَّا أقَلَّتِ

 

وكُنّا سَلَكْنا في صَعُودٍ مِنَ الهَوَى،

 

فلَمّا تَوافَينا ثَبَتُّ، وزَلَّتِ

وكُنّا عَقَدْنا عُقْدةَ الوَصلِ بَينَنا،

 

فلَمّا تَواثَقْنا شَدَدْتُ، وحَلَّتِ

فيا عَجَبا لِلقَلبِ، كَيفَ اعتِرافُهُ؟

 

ولِلنَّفْسِ، لَمّا وُطِّنَتْ، كَيفَ ذَلَّتِ؟

وإنِّي، وتَهيامِي بِعَزَّةَ، بَعدَما

 

تَخَلَّيتُ مِمّا بَينَنا، وتَخَلَّتِ

لَكالُمرتَجِي ظلَّ الغَمامةِ، كُلَّما

 

تَبَوَّأَ مِنها، لِلمَقِيلِ، اضمَحَلَّتِ

 

وهذا أيضًا يذكر مرورها به، وهو قعيدٌ في الطريق:([3])


ألا تِـلـكَ عَـــزّةُ، قَـــد أقــبَــلَـــت                   تُـقَـلِّـبُ نَـحـوِيَ طَـرْفًـا غَـضِـيـضـا

تَـقُــولُ: مَــرِضـتُ، ومـا عُـدتَنـا                   فـقُـلـتُ لَـهـــا: لا أُطِيـقُ النُّـهُـوضـا

كِـلانـــا مَــرِيــضــانِ فِـي بَــلــدة                  وكَـيـفَ يَـعُـودُ مَـرِيـضٌ مَـرِيـضا؟


ثم ترى ابن الروميّ يصوّر لك مشاهد الغروب تتجاوب فيها عناصر الكون، وكأنّ الدنيا كلَّها تفارق الحياة:


وقَـــد رَنَّـــقـــتْ شَــمسُ الأصِيـلِ ونَـفَّــــضَـت    عــلَى الأُفُـــقِ الغَـربِــيِّ وَرسًــا مُــذَعــذَعـــا


       ووَدَّعَـتِ الـدُّنـيـا لِـتَـقـضِـيَ نَـحـبَـهــا             وشَـوَّلَ باقِـي عُـمـرِها وتَـشَعـشَعا

       ولاحَـظَـتِ النُّـوّارَ، وهْـيَ مَـرِيــضـةٌ            وقَد وضَعَت خَدًّا علَى الأرضِ أضرَعا

       كَـمـا لاحًـظَـت عُـوّادَهُ عَـيـنُ مُـدنَــفٍ           تَــوَجَّــعَ مِـن أوصـابِــهِ مـا تَــوَجَّـعــا

        وظَـلَّـت عُيُونُ الرَّوض تَخضَلُّ بالنَّدَى      كَما اغـرَوْرَقَـت عيـنُ الشَّجِـيِّ لِتَدمَـعا

        وبَـيَّـنَ إغـضــاءُ الـفِـراقِ عَـلَـيـهِــمــا            كـأنَّـهُــمــا خِــلاّ صَـفـــاءٍ، تَــوَدَّعـــا


   ويُشترط أن تمرّ عبارات النصّ بالنسيج التركيبي البليغ اللطيف الشفّاف المتألّق من التعبير والتفكير والتصوير والتأثير حتى تكون من الأدب الطيّب، ومن ذلك قولُ بشّار ابن بُرد:([4])


هَـل تَـعـلَـمِــيـنَ وَراءَ الـحُـبِّ مَنـزِلـةً      تُـدنِـي إلَـيـكِ؟ فإنَّ الحُـبَّ أَقـصـانِـي

وقول المتنبّي يتودّد إلى سيف الدولة بالوفاء والمديح الفائق وبديع شعره:([5])


       واحَــرّ قَـلــبــاهُ مِـمَّـن قَـلــبُــهُ شَـبِــمُ               ومَـن بِجِـسـمِـي وحـالِـي عِنـدَهُ سَـقَــمُ

      مـا لِـي أُكَـتِّـمُ حُـبًّـا، قَـد بَـرَى جَسَـدِي           ويَـدَّعِـي حُـبَّ سَـيـفِ الـدَّولَـةِ الأُمَـمُ؟

      إِن كَــانَ يَـجــمَـعُــنَــا حُـبٌّ لِــغُــرَّتِــهِ              فـلَــيــتَ أَنّــا بِـقَــدْرِ الحُــبِّ نَـقـتَـسِــمُ

      أَكُـلَّـمـا رُمـتَ جَـيـشًـا فَـانـثَـنَى هَـرَبًـا             تَـصَـرَّفَـتْ بِـكَ فِـي آثَــارِهِ الـهِــمَــمُ؟

     عَـلَـيـكَ هَــزْمُـهُــمُ فِـي كُــلِّ مُـعـتَـرَكٍ              ومـا عَـلَـيـكَ بِـهِـم عـارٌ إِذَا انـهَـزَمُـوا

     يا أَعـدَلَ الـنّـاسِ إِلاّ فِـي مُـعـامَـلــتِـي،            فِيكَ الخِصامُ، وأَنتَ الخـصمُ والحَـكَـمُ

    أُعِـيــذُهــا نَـظَــراتٍ مِـنــكَ صــادِقـــةً                أَن تَـحـسَـبَ الشَّحـمَ فِيمَن شَحمُـهُ وَرَمُ

   ومـا انــتِـفـاعُ أخِـي الـدُّنـيــا بِــنــاظِــرِهِ                إذَا اسـتَـوَتْ عِـنـدَهُ الأنـوارُ والظُّـلَـمُ؟

   أنـا الَّــذِي نَــظَــرَ الأَعـمَــى إلَـى أَدَبِــي             وأَسـمَـعَـتْ كـلِـمـاتِـي مَـن بِـهِ صَـمَـمُ

   أَنَــامُ مِـلْءَ جُــفُــونِـي عَـن شَــوارِدِهـــا               ويَـسـهَـرُ الخَـلـقُ جَـرّاهَـا ويَـخـتَصِـمُ


وهذا المُنخَّلُ اليَشكريُّ يتحدّث عن شيء من الحبّ بين الجنسين بقوله:


            فــدَنَــتْ، وقــالَــتْ: يــا مُـنَـــخَّـــ    ـــلُ، مـا بِـجِـسـمِـكَ مِـن حَـرُورِ؟

            مــا شَــفَّ جِــســمِـي غَــيــرُ حُـبِّــ     ــكِ، فاهــدَئـي عَـنِّـي، وسِـيـرِي

            وأُحِــــبُّـــهــــا، وتُـــحِـــبُّــــنِــــي          ويُـــحِــبُّ نــاقــتَــهـــا بَــعِــيــرِي([6])


وكذلك قول كُثَيِّر يخاطب جَمَلَه:


         حَـيَّـتـكَ عَـزَّةُ بَعدَ الهَجرِ، وانصَرَفَتْ        فحَيِّ، ويحَكَ، مَن حَيّاكَ يا جَمَلُ

         لَـو كُـنـتَ حَيَّـيـتَهـا مـا زِلـتَ ذا مِـقـَةٍ         عِندِي، ولا مَسَّـكَ الإدلاَجُ والعَمَلُ

        فـحَــنَّ مِــن وَلَــهٍ، إذ قُـلــتُ ذَاكَ لَــهُ           وظَـلَّ مُعتَـذِرًا، قَد شَـفَّـهُ الخَجَـلُ

        ورَدَّ مِـن جَـزَعٍ: مـا كُـنـتُ أعــرِفُـهـا           ورامَ تَـكـلِـيـمَهـا، لَو تَنطِقُ الإبِلُ

        لَـيـتَ التَّحِـيّـةَ كـانَـت لِـي، فأشكُـرَهـا          مًكانَ "يا جَمَلٌ": حُيِّيتَ يا رَجُلُ


وجميلُ بُثينةَ يذكر أمانيَه منها:


          وإنِّـي لَأرضَـى مِـن بُــثَـيــنـةَ بـالّــذِي         لَـوَ ابـصَـرَهُ الـواشِـي لَقَرَّتْ بَلابِلُهْ 

          بِـلا، وبِـألّا أسـتَـطِـيـعَ، وبِـالـمُــنَــى          وبِالـوَعـدِ حَتَّى يَـسأمَ الـوَعـدَ آمِـلُـهْ 

          وبالنَّظرةِ العَجلَى، وبالحَـولِ تَنقَضِـي      أواخِــرُهُ، لا نَـلـتـَقـِـي، وأوائــلُـهْ


وقولُ بدويّ الجبل يتغزّل:


غَمَرتِ قَلبِي بأسرارٍ مُعَطَّرةٍ

 

والحُبُّ أملَكُهُ لِلرُّوحِ أخفاهُ

يُرِيدُ بِدْعًا مِنَ الأحزانِ مُؤتَلِقًا

 

ومِن شَقاءِ الهَوَى يَختارُ أقساهُ

في مُقلَتَيكِ سَماواتٌ، يُهَدهِدُها

 

مِن أشقَرِ النُّورِ أصفاهُ وأحلاهُ

ورَنوةٍ لَكِ راحَ النَّجمُ يَرشُفُها

 

حَتَّى تَرَنّحَ سُكرٌ فِي مُحَيّاهُ

مُدَلّهٌ فِيكِ، ما فَجرٌ ونَجمتُهُ

 

مُوَلَّهٌ فِيكِ، ما قَيسٌ ولَيلاهُ

مَن كانَ يَسكُب ُعَينَيهِ ونُورَهُما

 

لِتَستَحِمَّ رُؤاكِ الشُّقرُ، لَولاهُ؟

لا فـارَقَ الـرَّيُّ قَـلبًا، أنـتِ جَـذْوتُــهُ          ولا الـنّـعِـيـمُ مُـحِـبًّـا، أنـتِ سَـلــــواهُ

 

تكملة المقال



 

(1) شرح ديوان المتنبي للواحدي ص 275 ـ 276. 

(2) عيون الأخبار 3: 52.

(3) الدر الفريد وبيت القصيد 11: 38.

(4) ديوانه 3: 3672

(5) وقد يُروى: وتُحِبُّ ناقتُهُ بَعيرِي.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب