دفاع الأدباء عن اللغة العربية
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 06/05/2019 09:40 ▪ تعليقات (1) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 89

 

مثلما تتعدد مواطن الشعوب، وتختلف مواقعها في الأرض؛ تتعدد لغاتها، وتتميز واحدة عن الأخرى بطبيعة حروفها نطقاً وكتابة، وتتقارب وتتباعد كما تتقارب وتتباعد المواطن بعضها عن بعض. ويتأثر بعضها ببعض، وتنتقل بعض الألفاظ والمصطلحات من واحدة إلى أخرى، كما تنتقل العادات والتقاليد والسلع بين المجتمعات.

غير أن كل أمة نضجت لغتها، وأبدع فيها شعراؤها وكتابها أعمالاً أدبية جميلة ومؤثرة تحرص على لغتها، وتجتهد في حفظها وتعليمها لأجيالها المتوالية، وتعدها جزءاً من مكونات شخصيتها الوطنية، وتنشئ الكليات والمعاهد والمجامع اللغوية لتثبيت قواعدها والارتقاء بدراساتها. وفي سياقٍ موازٍ توجه الإدارات الرسمية، ومن يتعامل معها للتخاطب بها في جميع مكتباتها، كما توجه وسائل الإعلام إلى الالتزام بها والإسهام في تعزيزها لدى المتلقين.

وقد مرت جميع لغات الشعوب بمراحل من التطور وصل في كثير منها إلى حد التغيير شبه الكامل في المقررات والعبارات ودلالاتها، وأصبح ما كان يُقرأ ويُكتب قبل عدة قرون مجهولاً لمن جاء بعدها يحتاج إلى متخصصين لينقلوا المعاني من الصيغة القديمة إلى الصيغة الحديثة، فلم تكن القواميس معروفة آنئذ، ولم تكن القواعد مقننة، وكان الاستخدام الشعبي العام يتحكم بتطوراتها، فتغيب الألفاظ ودلالاتها تدريجياً بتغير الأجيال أو البيئات المختلفة في الجيل الواحد. وأكبر شاهد على ذلك لغة القبائل اللاتينية في أوربا التي تحولت إلى عدة لغات على امتداد القارة الأوربية، واختلاف جغرافية بيئاتها، وكان الاستثناء الأوحد اللغة التي حفظها القرآن الكريم من التغير والتبدل الكبير، اللغة العربية، والتي لم يتجاوز مدى التغير فيها استخدام ألفاظ وإهمال ألفاظ أخرى بقيت حية في القواميس، واكتساب بعض الألفاظ دلالات جديدة مجازية أو حقيقية، مع وجود دلالاتها الأصلية، كما أن نشاط المسلمين المبكر في تدوين اللغة العربية وتقنين قواعدها وتنظيم قواميسها كان من الوسائل الناجعة التي أسهمت في حفظها من التغير والتبدل.

وعندما وفد العصر الحديث على البلاد العربية قبل قرنين ونصف تقريباً حمل معه متغيرات كثيرة في جوانب كثيرة من حياة أبنائها، وحمل معه مستحدثات من وسائل العيش التي ابتكرها الغربيون: فالكهرباء والمحركات ووسائل الانتقال الحديثة: السيارات والقطارات والطائرات، ووسائل الاتصال الحديثة، والهاتف والمذياع، وأجهزة العرض المرئية وغير ذلك...

 ونشط كثير من الغيورين على اللغة العربية في وضع أسماء عربية لها، وإن أعجزهم ذلك عربوا الكلمة الأجنبية نفسها، وصرّفوها وفق قواعد الصرف والنحو، واجتهدت المجامع اللغوية آنئذ، وخاصة مجمع دمشق، ومجمع القاهرة، ومجمع بغداد في تعريب أسماء المبتكرات والمصطلحات والأدوية والعلوم الطبية والزراعية والصناعية، وكانت تتسابق مع هجمة المبتكرات وزحمتها، وتخرج بين الحين والآخر قوائم ومعاجم لغوية فيها تعريب لقسط وافر من المبتكرات، غير أن فئة أخرى من المثقفين؛ وخاصة الذين تعلقوا بالثقافة الغربية توجهوا نحو منحى آخر، فأخذوا يشيعون الأسماء الأجنبية ومصطلحاتها ظناً منهم بأن مسابقة التحديث خاسرة، وأن تبعية الغرب فيما يستحدثه ويسميه أدعى إلى التطور والرقي.

 وهذه دعوة خطيرة تنبه لها الغيورون على اللغة والدين والقيم السامية والشخصية العربية المسلمة، لأنه سيسير باللغة تدريجياً إلى التغيير الشامل، وسيسير بالأمة إلى الانفصال عن لغتها الأصلية وعن قرآنها، ومن ثم عن عقيدتها، لذلك تصدوا لتلك الدعوات بجميع الوسائل، وكان من بين من تصدوا لها الأدباء الذين آتاهم الله وهج الإيمان في قلوبهم، فأسهموا بمقالاتهم وبقصائدهم وبأعمالهم الأدبية الأخرى في كشف عوار تلك الدعوات التغريبية، ومنهم الأديب الشاعر علي الجارم الذي كان له تعلق شديد باللغة العربية، وباع طويل في دراساتها حتى اختير عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وقد نظم عدة قصائد بين فيها خطورة اللجوء إلى الكلمات الأجنبية والإكثار من إدخالها واستعمالها، الأمر الذي يقلق له كل واعٍ وكل غيور منها قصيدة نظمها سنة 1934م،  يصور فيها أثر هجمة التغريب اللغوي وخطورتها، وما يحس به هو وسائر الغيورين من آلام بسببها؛ يقول:

ماذا طحا بك يا صنَّاجة الأدب            هلا شدوت بأمداح ابنة العرب

أطار نومك أحداثٌ وجمت لها            فبت تنفخ بين الهم والوصب

واليعربية أندى ما بَعَثْتَ به               شجواً من الحزن أو شدواً من الطرب

يا جيرة الحرم المزهو ساكنة             سقى العهود الخوالي كلُّ منسكب

لي بينكم صلة عزّت أواصرُها          لأنها صلة القرآن والنسب

ويتوجه الشاعر إلى دعاة استخدام الألفاظ الأجنبية، ويرى فيهم ردة إلى الجاهلية، وتخلفاً عن التطور الحضاري الذي يسير فيه الآخرون، فمن العجز كل العجز أن يقعد أهل اللغة عن وضع تسميات ومصطلحات للمستحدثات الجديدة، ويفتحوا الباب لغزو المفردات والمصطلحات الأجنبية، يقول:

أرى بعين خيالي جاهليتكم                   وللتخيل عين القائف الدَّرب

الدهر يسرع والأيام معجلة                  ونحن لم ندر غير الوخدِ والخبب

والمحدثات تسد الشمس كثرتها             ولم تفز بخيال اسم ولا لقب

نطير للفظ نستجديه من بلد                  ناءٍ وأمثاله منا على كثب

كمهرق الماء في الصحراء حين بدا       لعينه بارقٌ من عارض كذب

ويبين الشاعر أن دعاة التغريب اللغوي يؤذون لغتهم، ويسيئون إلى أمتهم ويؤذونها كما يفعل الأعداء لجهلهم وحماقتهم، فهم لا يدركون ما لدى اللغة العربية من كنوز يتركونها لتذوي في القواميس وكتب اللغة، وينشطون لاستخدام الألفاظ والمصطلحات الغربية، يقول

أزرى ببنت قريش ثم حاربها             من لا يفرق بين النبع والغَرَب

وراح في حملة رعناء طائشة            يصول بالخائبين: الجهلِ والشغبِ

أنترك العربي السمح منطِقُهُ             إلى دخيل من الألفاظ مغترب

وفي المعاجم كنز لا نفاد له              لمن يُمَيّز بين الدر والسخب

كم لفظةٍ جهدت مما نكررها            حتى لقد لهثت من شدة التعب

ولفظة سجنت في جوف مظلمة        لم تنظر الشمس منها عين مرتقب

يا شيخة الضاد والذكرى مخلدة         هنا يؤسس ما تبنون للعقب

وبعد:

فرحم الله الشاعر الكبير علي الجارم وأمثاله الغيورين على لغة القرآن الكريم الذين تصدوا بجهدهم وكتاباتهم وقصائدهم لحملات تغريب اللغة العربية، وإضعافها إن لم يكن إقصاءَها، فقد كانوا خط الدفاع المكين في وجه هجمة التغريب الشرسة، وكانوا بإيمانهم وبأدبهم الإسلامي نعم الجنود الذين حمى الله بهم في ذلك الوقت اللغة والدين.

 

تعليقات القراء
عبد الرحيم الماسخ May 07, 2019
اللغة العربية
شعر: عبد الرحيم الماسخ
طلعتْ .. فالمَولِدُ مجهول
لغة ٌـ في الظُلمةِ ـ قِنديلُ
حملتْ تاريخًا ما تعِبتْ
فالحِملُ جديدٌ وأصيلُ
تتعانقُ فيهِ بلا حَدٍّ
وتذوبُ قلوبٌ وعُقولُ
فتفِيضُ الأرضُ بمختلِفٍ
مُتَّفِق ٍ أجْدَبُهُ نِيلُ
طلعتْ أتُراها قد غرَبتْ
قبلا ً ؟ فالموكِبُ مَوصُولُ
أم نحنُ طلعنا من شجرٍ
ثمرًا أنضجَهُ الترتيلُ ؟
فكأنّ البدءَ ـ وقد عبرَتْ
عينيهِ ـ حنِينٌ وطُلولُ
والروحُ يُذيعُ بِشارَتها
تذكارٌ قاس ٍ وجميلُ
يُوقِفُها .. والريحُ رُخاءٌ
يُطلِقُها .. والغيمُ ثقيلُ
طلعتْ وطلعْنا أو غربت
وغرَبْنا فالفرقُ ضئيلُ
نتَّفِقُ ونختلفُ قليلا
في أنّ الشامِلَ مشمولُ
فيُقالُ : يئِسنا وانحسرَتْ
ويُقالُ : سمَوْنا وتطُولُ
ويُقالُ : عشِقنا وابتهجَتْ
ويُقالُ : غدَرْنا وتميلُ
ونَظلُّ كِيانًا مُنفردًا
رُكناه فروعٌ وأصُولُ
ما جفَّ ـ شتاءً ـ في دمِنا
يخضرُّ ربيعًا ويسيلُ .

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب